أيهما أفضل لطفلي: تعلم العربية الفصحى أم العامية؟

March 13, 2022
ayhma-afdl-ltfly-taalm-alaarby-alfsh-am-alaaamy

تنقسم اللغة العربية إلى نوعين: الفصحى والعامية. ودائمًا ما يسعى الآباء نحو تعليم أولادهم اللغة العربية، فيتسائلون: أيهما أفضل لطفلي؟ هل تعلم العربية الفصحى أم اللهجة العامية؟

لكن هل فكرت في أن الأفضل قد يكون بتعلم اللغة العربية الفصحى الحديثة؟


اللغة العربية الفصحى لغة قديمة للغاية، إذ يعود تاريخها إلى ما يقرب 600 ميلادي، ومع ذلك لا يزال المسلمون حريصون على تعلم لغة القرآن لممارسة عباداتهم كتلاوة القرآن الكريم وأداء الصلاة وغيرها. قد لا يستخدم الناس هذه اللغة بنفس الشكل في حياتهم العادية، أو في محادثاتهم اليومية، أو في كتاباتهم الرسمية وغير الرسمية.  لذا فإن لغة المحادثات اليومية هي اللغة العربية العامية، وتختلف هذه اللغة من دولة إلى أخرى، كما يتميز كل بلدٍ عربي بلهجته الخاصة. 


أما اللغة العربية الفصحى الحديثة فهي اللغة الرسمية في العديد من الدول العربية، والمستخدمة في مراسلات الدوائر الحكومية، وفي التعليم، والمدارس، وكتابة الأعمال الأدبية. وهي لغة الإعلام المرئي والصوتي كالإذاعة والتلفزيون ولغة الجرائد والمجلات والمواقع الإلكترونية. 


هل على أن أبدأ بتعليم طفلي العربية العامية؟

أولًا، العامية هي أحد أشكال اللغة العربية غير الرسمية التي يتحدث بها مجموعة من الأفراد في بيئة جغرافية معينة. وتتفرد بخصائص نحوية وصرفية وصوتية ودلالية تميزها عن اللهجات المحكية الأخرى، بشرط أن تبقى هذه الخصائص محدودة، ولا تجعلها غريبة كُليًا عن اللهجات العربية الأخرى بحيث يصعب فهمها. وإلا استقلت بذاتها وأصبحت لغة قائمة لوحدها، كما حدث للغة الإيطالية والإسبانية والفرنسية التي تفرعت عن اللغة اللاتينية المندثرة. تختلف العامية عن الفصحى، وبالرغم من ذلك لا تزال تستند إلى حدٍ بعيد على ركائزها، و تستعير كمًّا هائلًا من مفرداتها، وتعتمد عليها لنقل المعاني. كذلك تلعب قواعد اللغة العربية الفصحى حتى اليوم دورًا مهمًا في طريقة نطق المفردات من جهة، وترتيب الكلمات في تراكيب الجمل من جهة أخرى. فمثلًا: (باب، مفتاح، تفاحة، مطر، بحر، أرض) مفردات نستخدمها في الفصحى والعامية معًا. على سبيل المثال: (رَاحَ أحمدُ) هي جملة صحيحة من حيث التركيب والترتيب والمعنى في العامية والفُصحى على حدٍ سواء.


بالتأكيد يُفضَّل اختيار اللهجة العامية المحكية داخل المنزل وفي البلد الأم. ولكن في غياب قواعد حاكمة ومنظمة لتعلم لهجة معينة وكذلك افتراض إقامتك خارج بلدك الأم يصبح تعلم لهجة معينة أمرًا عسيرًا. وقد يُساعدك أكثر رأي عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين في هذا الموضوع.


 هل على أن أبدأ بتعليم طفلي العربية الفُصحى؟

بداية ما هي استخدامات الفصحى؟

الفصحى وروابط الدين الإسلامية

تعلم العربية هي وسيلة لارتباط الطفل بشعائر دينه حيث أن اللغة العربية لغة القرآن الكريم. فيجب علينا تعلم الفُصحى  ومخارجها الصحيحة؛ لحفظ وقراءة وتدبر وفهم القرآن، وتعاليم الدين، وأحكام الشرع. بحيث يكون فهمه وتذوقه للنص الديني سليمًا حتى ولو لم يتقن تمامًا القواعد النحوية والصرفية المتعلقة.

الفُصحى والأدب العربي

الإبتعاد عن اللغة الفُصحى سوف يٌحرم طفلك من فهم وتذوق جُلّ إنتاج الأدب العربي مثل الأدب الأموي والعباسي والأندلسي وخلافه ومنها الكثير الذي يذخر به الأدب العربي. فقدان التواصل التام مع الفُصحى يجعل المقارنة بين ما أنتجته العامية مقابل اللغات الأجنبية الأخرى مثل الإنجليزية والفرنسية أمرًا عسيرًا. وربما أصبح بعضًا من الأدب الكلاسيكي عسير الفهم بلغة اليوم، إنما ما لا يُدرِك كله يجب ألا يَترُك كله، فإن استيعاب بعض ما أنتج من أدب عربي أمر ممكن ويدعم تواصل الطفل مع هويته.  استمع لهذا الموشح الأندلسي البديع: لما بدا يتثنى.

الفصحى والصحافة العربية

ارتبطت الصحافة العربية عند نشأتها باللغة العربية الفصحى إذ أن كُتّاب الصُحف كانوا من كبار الأدباء مثل: (طه حسين، وعباس العقاد، والمازني) إلا أنه بتطور الصحافة ونشأة الصحافة الفنية والتقنية والإخبارية ظهرت الحاجة إلى استخدام لغة أسهل وأدق وأكثر اختصارًا في وصف المعلومة للمُتلقي. ومع الوقت، أصبحت الصحافة على حسب اختلاف مصادرها وإذاعتها تستخدم لغة بسيطة.  

ومع ظهور المنصات الرقمية ومنصات التواصل الاجتماعي، ازداد التوجه نحو استخدام لغة عربية أسهل وأبسط لتلائم مستخدمي هذه القنوات، وأغلبهم من الشباب وأصبح مطلوبًا من محرري هذه القنوات أن يستخدموا لغة سلسة وسهلة مع الحفاظ على سلامة اللغة.

  

مما سبق يُوضِّح أن إهمال تعليم الفُصحى كليًا يجعل طفلك بأن يفقد تدريجيًا فرصة التواصل مع روابط دينية وثقافية هامة في تشكيل وعيه بهويته. إلا أنه بالمثل فإن اللجوء إلى لغة جامدة وغير مستخدمة من شأنه أن يصرف الطفل عن اللغة العربية تمامًا. وكيف لا وهو في مرحلة يتوق فيها لفهم ما حوله.


هل فكرت في اللغة العربية الفصحى الحديثة؟

اللغة العربية الفصحى الحديثة هي أحد أشكال اللغة العربية، وهي لغة تطورت وقامت على أُسس اللغة الفصحى الكلاسيكية أي لغة القرآن الكريم والأدب الإسلامي المُبكر.  تتميز اللغة العربية الفصحى الحديثة بأنها إحدى اللغات الرسمية الست في الأمم المتحدة، ولغة رسمية أو لغة رسمية مشاركة للعديد من الدول العربية مثل: آسيا وشمال أفريقيا خاصةً. إنها الجسر الذي يسمح لهذه الدول والشعوب بالتواصل، وتُستخدم على المنابر السياسية والخطابية، وفي المراسلات الرسمية والمحاضرات. كما تُستخدم على نطاقٍ واسعٍ في التلفاز والإذاعة والصحف والأدب، والخُطب الدينية، ووسائل الإعلام الخاصة بالأطفال.


أما على الصعيد الشعبي، فتختلف مستويات إتقان اللغة العربية الفصحى الحديثة قراءة وكتابة. فغالبًا ما يبرع المتعلمون بها ويتقنونها، أما غير المتعلمين فقد يفهمونها نوعًا ما. فاللغة الفصحى الحديثة يتعلمها الطلاب في المدارس والجامعات والمعاهد، يكتبون ويقرؤون بها. 


وبذلك يُعد تعلم اللغة الفصحى الحديثة خيارًا صائبًا للبدء في عملية تعلم اللغة العربية. بها يَتسنَّى للمرء مواكبة الأحداث الجارية والأخبار الحية، والتعرف على الثقافة العربية القديمة والمعاصرة. كما يَسهل تعلم اللغة العربية الفصحى الحديثة لوجود كم كبير من الكتب والوسائل المتعددة بهذه اللغة، فضلًا عن دروس اللغة العربية أونلاين. من مزايا تعلم اللغة الفصحى الحديثة أيضًا أنها مدخلٌ إلى اللغة العربية العامية. إذ تساعد في تعلم القواعد النحوية والصوتية اللازمة لأي لهجة محكية وبها يمكن التواصل مع الآخرين لقضاء الحاجات في أي بلد عربي في العالم، وبغض النظر عن اللهجة العامية المحكية.


خاطرة أخيرة 

لعل أسئلة عديدة وشائكة تدور في رأسك، وترغب في تعليم أطفالك اللغة العربية، وعلى وجه الخصوص فيما يتعلق باختيار أحد أشكال اللغة العربية: الكلاسيكية القرآنية، الفصحى الحديثة، اللهجة العامية. عرضنا في هذا المقال الأُسس التي يجب النظر إليها عند اتخاذ قرارك، لكن الدور الأهم الذي يقع على عاتقك هو توفير تجربة تعليمية مثالية لطفلك، والتي يتم فيها استخدام الوسائل والأساليب الحديثة والتقنيات المتطورة التي تناسب أعمارهم وحاجاتهم.

قد يعجبك أيضاً